أبي منصور الماتريدي

92

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يحتمل لا تعبد من دون الله ما لا يملك جر المنفعة . ويحتمل الدعاء نفسه ، أي : لا تدعوا « 1 » من دون الله إلها . وقوله - عزّ وجل - : فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ : [ ذكر هاهنا ] « 2 » الظلم إن فعل ما ذكر والمراد منه الشرك ، وذكر في قصة آدم وحواء : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ [ البقرة : 35 ] ، وقد قرباها ولم يكونا مشركين إنما كانا عصاة ؛ ليعلم أن ليس في الموافقة في الأسماء موافقة في الحقائق والمعاني إنما يكون الموافقة في الحقائق في موافقة الأسباب ؛ لذلك كان ما ذكروا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ : فيه الرجاء والطمع إلى من دونه ؛ إذ أخبر أنه لا يوجد ذلك من عند غيره . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ : أخبر أنه إن أراد خيرا وفضلا فلا راد لذلك الفضل ، والخير ، والإيمان من أعظم الخيرات وأفضلها ، فإذا [ أراده لإنسان ] « 3 » كان لا يملك أحد دفع ما أراد ولا رده ؛ دل أنه إذا أراد الإيمان لأحد كان مؤمنا ، فهو ينقض على المعتزلة حيث قالوا : إنه أراد الإيمان للخلق كلهم . لكنهم لم يؤمنوا ؛ إذ أخبر أنه إذا أراد به خيرا فلا راد [ لذلك الفضل ] « 4 » ، وهم يقولون : بل يملك العبد رد ما أراد له ودفعه ، وبالله العصمة . وفيه أن ليس على الله فعل [ لهم ] « 5 » - أعني فعل الخير - لأنه سماه فضلا ، والفضل هو فعل ما ليس عليه ، وهو المفهوم في الناس أن ما عليهم من الفعل لا يسمونه فضلا إنما يسمون الفضل ما ليس عليه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ : يصيب به من يشاء من الفضل والخير أو من الشر ، وفيه دلالة تخصيص بعض على بعض حيث قال : يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ . وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ : لا يعجل بالعقوبة . وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ : قيل : الحق محمد « 6 » صلى اللّه عليه وسلّم وقيل : الحق : القرآن الذي أنزل عليه « 7 » ، وأمكن أن يكون الحق هو الدين الذي كان

--> ( 1 ) في ب : تسم . ( 2 ) في ب : هاهنا ذكر . ( 3 ) في أ : أراد الإنسان . ( 4 ) في أ : لفضله . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) ذكره أبو حيان في البحر ( 5 / 196 ) . ( 7 ) ذكره ابن جرير ( 6 / 619 ) ، وأبو حيان ( 5 / 196 ) ، والبغوي ( 2 / 372 ) .